أيوب صبري باشا

99

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

وقد رجح بعض العلماء مكة المكرمة على المدينة المنورة مستدلين بالأحاديث « إن مكة أحب بلاد اللّه إلى اللّه » و « إن مكة خير بلاد اللّه » ، وإن كان الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي رأيا هذا الرأي وصدقا العلماء المشار إليهم إلا أن هذين الحديثين قد صدرا قبل أفضلية مكة المكرمة - عند سائر الأئمة - طالما كان صاحب المعجزات مقيما في مكة المكرمة ، وقالوا إن رجحان المدينة دار السكينة بعد الهجرة وفضلها قد ثبتا بعد الهجرة . وإن كان ثبت تضاعف الأجر والمثوبة في مكة المكرمة إلا أن هذا الأمر لا يقتضى أفضليتها ، فمثلا يلزم للذين يذهبون إلى عرفات أن يصلوا خمس أوقات في منى ، ومع هذا فإن مكة المكرمة أكثر ثوابا وأجرا من الصلوات التي تؤدى في منى وهذا الأمر محقق ومصدق لدى العلماء . ولأجل ذلك قال ابن عمر ، إن تضاعف الثواب والأجر في مكة ثابت ومع ذلك لا ترجح على المدينة دار السكينة وهكذا بين أن تضاعف الثواب لا يقتضى الأفضلية والرجحان وأن المفضول قد يرجح على الفاضل أحيانا . وبناء على هذا الفهم الدقيق أجاب الإمام مالك على سؤال : أي الحرمين أولى بالمجاورة في رأيك ؟ فقال لهم بناء على رأيي إن المجاورة في المدينة الطاهرة أولى من المجاورة في مكة المقدسة وأوجب . كيف لا تكون دار الهجرة المحترمة أفضل من مكة المكرمة وكيف لا تكون المجاورة في تلك البلدة أحب وأجمل ؟ وقد مر الجالس على سرير الأمراء المصطفى - عليه أكمل التحية - بكل شوارع تلك البلد . المباركة ذهابا وإيابا ، بما أن جبريل الأمين نزل في أكثر بقاعها باسطا أجنحته وأوصل الوحي الجليل ومن هنا قال الواقف على خفايا الحكمة - عليه بدائع التحية - المدينة خير من مكة والمدينة أفضل من مكة ، وقد أخبر بهذا الحديث الصحيح عن لزوم تفضيل المدينة المنورة على مكة المعظمة نورها اللّه تعالى إلى يوم الآخرة .